كريم نجيب الأغر
446
إعجاز القرآن في ما تخفيه الأرحام
اعتبروا أن الوسيطة التي تشير إليها كلمة « بين » حقيقة ، أي : أن اللفظ « بين » يشير إلى مكان ما يقع بين الفرث والدم ، وكأنّ الآية تعني : نسقيكم مما في بطونه لبنا يتكوّن في مكان ما يقع بين الفرث والدم ، وهذا ينافي الحقيقة ، وذلك أن اللبن والدم لا يتكوّنان في الكرش . وهذا ما أشار إليه الرازي في تفسيره قائلا : « ولقائل أن يقول : الدم واللبن لا يتولدان البتّة في الكرش . والدليل عليه : الحس ، فإن هذه الحيوانات تذبح ذبحا متواليا ، وما رأى أحد في كرشها لا دما ولا لبنا ، ولو كان تولّد الدم واللبن في الكرش لوجب أن يشاهد ذلك في بعض الأحوال ، والشيء الذي دلّت المشاهدة على فساده لم يجز المصير إليه » « 1 » . وبالتالي لا بد أن تكون الوسطية معنوية ، ولهذا جاء في البحر المحيط : « والذي يظهر من لفظ الآية أنّ اللبن يكون وسطا بين الفرث والدم ، والبينية يحتمل أن تكون باعتبار المكانية حقيقة كما قاله المفسرون . وادعى الرازي أنه على خلاف الحس والمشاهدة ، ويحتمل أن تكون البينية مجازية » « 2 » . والذي أكّد أن البينية مجازية هو الطاهر بن عاشور « 3 » في قوله : « وليس المراد أن اللبن يتميع بين طبقي فرث ودم ، وإنما الذي أوهم ذلك من توهمه جملة ( بين ) على حقيقتها من ظرف المكان ، وإنما هي تستعمل كثيرا في المكان المجازي ، فيراد بها الوسط بين مرتبتين كقولهم : الشجاعة صفة بين التهور والجبن . فمن بلاغة القرآن هذا التعبير القريب للأفهام لكل طبيعة من الناس بحسب مبالغ علمهم مع كونه موافقا للحقيقة » . فإذا كانت الوسطية معنوية وجب عندئذ أن تعود كلمة « بين » لفعل الاستخراج حتى يستقيم المعنى ، أو لكلام محذوف تقديره : لبنا تتألف بعض أجزائه من بين فرث ودم . في الحالة الأولى نفهم أن على عملية الاستخراج أن تحصل إما مناصفة من الفرث ومن الدم في آن واحد ، وإما أن تكون عملية الاستخراج مؤلفة من عمليتي استخراج ثانويتين تحصلان بالتتابع من الفرث ومن الدم . والحكم في هذه الحالة هو للحقيقة العلمية ( وليس
--> ( 1 ) تفسير الرازي ، ( ج 20 / ص 232 ) . وقد فصّل الباحث يحيى بن محمد الفيفي في كتابه : « الطيبات من المطعومات في القرآن الكريم » هذه المسألة من كتب التفسير ، وتعرض لأقوالهم وبين ما ذكرته سابقا وأشار إلى كلام بعض المفسرين كالرازي والعزّ بن عبد السلام وابن عاشور الذي يوافق جزءا كبيرا مما أشار إليه العلم الحديث . انظر مبحث « توجيه الأنظار إلى التفكر في خلق الأنعام » من الرسالة الآنفة الذكر . ( 2 ) البحر المحيط ، ( ج 5 / ص 510 ) . ( 3 ) التحرير والتنوير للطاهر بن عاشور ، تفسير آية رقم 66 من سورة البقرة .